الخطيب الشربيني
191
مغني المحتاج
فتنزع عنه مراعاة لمقصود الحد ، ويترك على المرأة ما يسترها ، وتشد عليها ثيابها ، ويتولى ذلك منها امرأة أو محرم ، ويكون بقربها إن تكشفت سترها . وأما الجلد فيتولاه الرجال ، لأن الجلد ليس من شأن النساء ، والخنثى كالمرأة فيما ذكر ، ولكن لا يختص بشد ثيابه المرأة ونحوها ، ويحتمل كما قاله شيخنا تعين المحرم ونحوه ، وإن كان المحدود من ذوي الهيئات ضرب كما قاله الماوردي في الخلوات ، وإلا ففي الملا ، ولا يحد ولا يعزر في المسجد لخبر أبي داود وغيره : لا تقام الحدود في المساجد ولاحتمال أن يتلوث من جراحة تحدث ، فإن فعل أجزأه كالصلاة في أرض مغصوبة ، كذا قالاه هنا ، وقضيته تحريم ذلك وبه جزم البندنيجي ، لكن الذي كراه في باب القضاء أنه لا يجرم ، بل يكره ، ونص عليه في الام ، نبه عليه الأسنوي وهو الظاهر ( ويوالي الضرب عليه بحيث يحصل زجر وتنكيل ) فلا يجوز أن يفرق على الأيام والساعات لعدم الايلام المقصود في الحد ، بخلاف ما لو حلف ليضربنه مائة سوط فإنه يبرأ إذا فرقها على الأيام والساعات ، لأن مستند الايمان إلى الاسم ، وهنا التنكيل والزجر ولم يحصل ، ولو جلد للزنا خمسين ولاء وفي غده كذلك أجزأ . تنبيه : لم يضبط التفريق الجائز وغيره . قال الإمام : إن لم يحصل في كل دفعة ألم له وقع كسوط أو سوطين في كل يوم فهذا ليس بحد ، وإن آلم وأثر بما له وقع ، فإن لم يتخلل زمن يزول فيه الألم الأولى كفى ، وإن تخلل لم يكف على الأصح ، ثم عقب المصنف رحمه الله تعالى الجنايات السبع الموجبة للحد بالتعزير ، وترجم له بفصل فقال : فصل : في التعزير ، وهو لغة : التأديب . وأصله من العزر ، وهو المنع ، ومنه قوله تعالى * ( وتعزروه ) * أي تدفعوا العدو عنه وتمنعوه ، ويخالف الحد من ثلاثة أوجه . أحدها : أنه يختلف باختلاف الناس ، فتعزير ذوي الهيئات أخف ويستوون في الحد . والثاني تجوز الشفاعة فيه والعفو بل يستحبان . والثالث التألق به مضمون في الأصح خلافا لأبي حنيفة ومالك . وشرعا : لتأديب على ذنب لا حد فيه ولا كفارة كما نبه على ذلك بقوله : ( يعزر في كل معصية لا حد لها ولا كفارة ) سواء أكانت حقا لله تعالى أم لآدمي ، وسواء أكانت من مقدمات ما فيه حد كمباشرة أجنبية في غير الفرج ، وسرقة ما لا قطع فيه ، والسب بما ليس بقذف أم لا كالتزوير وشهادة الزور والضرب بغير حق ونشوز المرأة ومنع الزوج حقها مع القدرة . والأصل فيه قبل الاجماع قوله تعالى * ( واللاتي تخافون نشوزهن ) * الآية . فأباح الضرب عند المخالفة فكان فيه تنبيه على التعزير ، وقوله ( ص ) في سرقة التمر : إذا كان دون نصاب غرم مثله وجلدات نكال رواه أبو داود ، والنسائي بمعناه . وروى البيهقي أن عليا رضي الله تعالى عنه سئل عمن قال لرجل : يا فاسق يا خبيث ، فقال : يعزر . تنبيه : اقتضى كلام المصنف ثلاثة أمور . الأمر الأول : تعزير ذي المعصية التي لا حد فيها ولا كفارة ، ويستثنى منه مسائل . الأولى : إذا صدر من ولي لله تعالى صغيرة فإنه لا يعزر كما قاله ابن عبد السلام . قال : وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة ، ويشهد لذلك حديث أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود رواه أبو داود ، قال الإمام الشافعي رحمه الله : والمراد بذوي الهيئات الذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة ، ولم يعلقه بالأولياء ، لأن ذلك لا يطلع عليه . فإن قيل : قد عزر عمر رضي الله تعالى عنه غير واحد من مشاهير الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهم رؤوس الأولياء وسادة الأمة ولم ينكره أحد ؟ أجيب بأن ذلك تكرر منه ، والكلام هنا في أول زلة زلها مطيع . الثانية : إذا قطع شخص أطراف نفسه . الثالثة إذا وطئ زوجته أو أمته في دبرها فلا يعزر بأول مرة ، بل ينهى عن العود ، فإن عاد عزر ، نص عليه في المختصر ، وصرح به البغوي وغيره . الرابعة : الأصل لا يعزر لحق الفرع كما لا يجد بقذفه . الخامسة : إذا رأى من يزني بزوجته وهو محصن فقتله في تلك الحالة فلا تعزير عليه . وإن اقتات على الإمام لأجل الحمية ، حكاه ابن الرفعة عن أبي داود . السادسة : إذا دخل واحد من أهل القرى إلى الحمى الذي حماه